و يقول الشيخ عبد الله بن صالح الفوزان في شرحه لـ"رسالة لطيفة في أصول الفقه":

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

درْسُنا في هذه الليلة -والذي هو آخر الدروس، ختم الله لنا ولكم بخير- فيه نقطتان: النقطة الأولى في قول الصحابي، والنقطة الثانية في جملة من المسائل الأصولية التي تدخل تحت عدد من أبواب الأصول، وعددها خمس عشرة مسألة ومعظمها مختصر.

يقول -رحمه الله-: قول الصحابي -وهو من اجتمع بالنبى -صلى الله عليه وسلم- مؤمنا، ومات على الإيمان- إذا اشتهر ولم ينكر، بل أقره الصحابة عليه فهو إجماع.



أولا: عرف الصحابي بأنه من اجتمع بالنبى -صلى الله عليه وسلم- مؤمنا به، ومات على الإيمان، وهذا من أحسن التعاريف التي عرف بها الصحابي، وأعني: أن المصنف -رحمه الله- قيد الصحابي بالاجتماع، بخلاف من يقول: الصحابي من رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- لأن الاجتماع أعم من الرؤية، قد يجتمع به من يراه ومن لا يراه؛ فيكون هذا التعريف الذي اقتصر عليه المؤلف من التعريفات الجيدة.

"إذا اشتهر ولم ينكر، بل أقره الصحابة عليه فهو إجماع" بمعنى: أن قول الصحابي إذا اشتهر بين الصحابة، ولم يعرف له معارض، ولم يعرف له منكِر، فإن هذا يكون إجماعا، ولكن ليس إجماعا نطقيا؛ لأن بقية الصحابة لم ينطقوا بموافقة هذا الصحابي، ولكنه إجماع سكوتي إذا كان الصحابي قال قولا، واشتهر قوله عند الصحابة، ولم يظهر له مخالف، فهذا يعتبر من قبيل الإجماع السكوتي، هذا قول في المسألة.

والقول الثاني: -وهو الذي ارتضاه شيخ الإسلام ابن تيميه- أنه ليس بإجماع، ولكنه حجة ، وفرْقُ بين الإجماع وبين الحجة ، فإن لم يعرف اشتهاره ولم يخالفه غيره فهو حجة على الصحيح.

هذا هو المقصود بقول الصحابي، المقصود قول الذي لم يعرف أنه اشتهر، ولم يعرف له مخالف، وكان في المسائل الاجتهادية، هذا محل النزاع بين العلماء في حجية قول الصحابي، المراد به قول الصحابي الذي لم يعرف اشتهاره ولم يخالفه غيره، وكان في المسائل الاجتهادية.

هذا النوع موضع خلاف بين أهل العلم، ولكن الشيخ -رحمه الله- اقتصر على واحد من الأقوال، وهو أنه يكون حجة ؛ ولهذا قال: "فهو حجة على الصحيح" والعلماء عندما يقررون أن قول الصحابي حجة ليس لهم أدلة هي نص في الموضوع، ولكن أدلتهم عمومات في الشريعة مفادها: أن الله تعالى أثنى على الصحابة، ونص على عادلتهم وحسن سيرتهم، ومن كانت هذه صفته يصح أن يكون قوله حجة .

وهذه المسألة -مسألة حجية قول الصحابي- مسألة فيها خلاف طويل بين أهل العلم، بل ونزاع قوي، والذي يظهر -والله أعلم- في هذه المسألة أن قول الصحابي ليس حجة ملزمة كدليل من الكتاب والسنة، وإنما هو قول يؤخذ به حيث لا دليل من كتاب أو سنة أو إجماع أو غيرهما؛ والتعليل لهذا أن اقتفاء أثر الصحابة -رضي الله عنهم- والأخذ بما أداه إليه اجتهادهم أولى بالأخذ من اجتهاد من كان بعدهم، فاجتهاد الصحابي أقرب إلى الهدى، وأحرى بالصواب ببركة الصحبة ومشاهدة التنزيل، هذا هو القول الذي يظهر في هذه المسألة.
وهذا القول هو الذي نص عليه الشافعي -رحمه الله- في كتابه "الرسالة" في مناظرة علمية بينه وبين شخص، في صفحة خمسمائة وسبع وتسعين من كتاب "الرسالة" للشافعي، مناظرة علمية جيدة، مفادها أن قول الصحابي دليل يستدل به، ولكن لا يعتبر حجة ملزمة.

قال: "فإن خالفه غيره من الصحابة لم يكن حجة عند جميع العلماء" لأننا لو أخذنا بقول أحدهما لكان ترجيحا بلا مرجح، فإن خالفه غيره فالمعول على ما يؤيده الدليل، يعني يُبحث عن دليل يؤيد هذا القول أو هذا القول، والنتيجة النهائية ما هي؟ أن التعويل لا يكون على قول الصحابي، ما دام أنّا وجدنا الدليل المؤيد لأحد القولين سيكون العمل والتعويل على الدليل.

مثاله: ورد أن عمر وعليا -رضي الله عنهما- يريان قتل الجماعة بالواحد، ونقل ابن المنذر عن الزبير أنه لا يرى قتل الجماعة بالواحد.

إذن هذا قول صحابي، فعمر وعلي يريان قتل الجماعة إذا قتلوا شخصا واحدا، ونقل ابن المنذر عن الزبير أنه لا يرى قتل الجماعة بالواحد، إذن عندنا قول الصحابي خالفه غيره، يُبحث عن مرجحات. بحثنا فوجدنا أن قول عمر وعلي أرجح؛ لأنه مؤيد بقول الله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) وعلى هذا؛ فنحن إذا رجحنا أحد القولين بالدليل فمعنى هذا: أن المعول صار على الدليل؛ ولهذا يقول بعض العلماء المعاصرين: إن اشتراط هذه الشروط في قول الصحابي -أن لا يُعلم اشتهاره، وأن لا يخالفه صحابي أخر، وهناك شرط ثالث سكت عنه المؤلف، وهو أن لا يخالف نصا، مع الشرط الذي ذكرت لكم، وهو أن يكون في المسائل الاجتهادية-.

يقول بعض المعاصرين: إذا اشترطنا هذه الشروط في قول الصحابي فإن الدائرة ستضيق أضيق ما يكون، يعني إذا اشترطت هذه الشروط فمعنى ذلك أن قول الصحابي الذي سيكون فيه خلاف سيكون في حدود دائرة ضيقة. ثم نعلم أن الأصوليين إذا قالوا: قول الصحابي يريدون الفعل أيضا، ما يريدون القول فقط.
أمثلة:

مثال قول الصحابي: ما ورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله قد أحل فيه النطق، من نطق فلا ينطق إلا بخير " أخرجه الترمذي وغيره. هذا الحديث مروي مرفوعا ومروي موقوفا، والاستدلال به إنما يتم على روايته موقوفا، وللعلماء فيه كلام، لكن المقصود التمثيل.

مثال الفعل: ما علقه البخاري في صحيحه في باب التيمم قال: "وأمّ ابن عباس وهو متيمم " هذا الأثر علقه البخاري، وأخرجه ابن أبى شيبة والبيهقي بإسناد صحيح، كما ذكر الحافظ في فتح الباري، فهذا الأثر يدل على أنه يجوز أن يكون الإمام متيمما وأن يكون الجماعة المأمومون متوضئين.